ابن عربي
75
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
ومن ناشد فيها زرود ورملها * ومن منشد حاد ومن منشد هاد يقول : إذا ثبت في مقام الطمأنينة ضربت لها خيام أعمالها بالمقامات العظمى التي عبر عنها بالأجواز ، وقوله : فما شئت من طل ، يريد الشذا والندى ، والشذا : هو ما نزل من الطل بالنهار . والندى : ما نزل من الطل بالليل ، وهو ما يتنزل عليه من أوائل المعارف بطريق اللطف في غيابات الغيب والشهادة ، لأنه لا يدرك نزوله بالحس متى يظهر في المحل منه القدر الذي يدركه الحس . والمنآد : الغصن الناعم ، يقول : وفيه غذاء للنشأة الإنسانية التي خلقت في أحسن تقويم واختصت بالحركة المستقيمة على سائر المولدات ، وقوله : وما شئت من وبل تنزل أعظم فيه شفاء لأن فيه رائحة اشتقاق من الاستبلال الذي هو الشفاء ، فكأنها معارف تزيل جهالات بوجودها فإنّ المعارف قد تنزل على قلوب ساذجة ما فيها شيء أصلا ، وقد تنزل على قلوب فيها تشكيك وتردد فذلك مرض ، وقد تنزل على قلوب فيها جهالات وهي مصممة عليها على أنها علوم ، فيبين له هذا النزول حاله فيرجع ، وهذا لا يسمى مرضا لأن من شرط المرض الإحساس به ، فيطلب به الدواء رغبة في الشفاء وهذا لا يكون في القلوب إلّا لأهل التشكيك والحيرة ، وأما المصمم على اعتقاده وشبهته فلا يقال فيه : صاحب مرض وإنما هو ميت فهذا التنزيل يحييه كما قال : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [ الأنعام : 132 ] الآية . يعني بالجهل ، وقوله : وما شئت من ندى قوله : يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ [ النور : 36 ] فهذه تنزلات هذه الأعمال المخصوصة بهذه الأوقات ، لأنها أزمان نزول الندى ، وهو مقام الجود « 1 » يمر به سحاب العناية على باناتها اختصر البان من غيره لما فيه من إشارة التنزيه والتفرقة والتمييز بين الحقائق ، وأيده بقوله : رائح وهو الرجوع بالعشي ، والغادي : المبكر ، يقول : إنه يذهب بكرة ويعود عشية إلى ما منه غدا كما بين الزمانين هو مقدار عمر السالك والحال والمقام ، وإلى اللّه ترجع الأمور وتصير الأمور إشارة إلى هذا المقام وإليه يرجع الأمر كله ، فسمي رجوعا لكونه منه خرج وإليه يعود ، وفيما بين الخروج والعود وضعت الموازين ومد الصراط ووقعت الدواعي وظهرت الآفات وكانت الرسل وجاءت الأدواء فمنهم المستعمل لها والآخذ بها والتارك لها ، وقوله : وما شئت من ظل ظليل ، إذ ما كل ظل يكون ظليلا لكل مستظل بل لآحاد بقوله : إلا صاحب هذا المقام المحمدي الموسوي فإنه يظله كل ظل فكل ظل فهو له ظليل لاستغراقه المقامات كلها ، ويظهر هذا في موزونات الأعمال بما لها من الثواب كما سبق بلال « 2 » النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى الجنة من مداومته
--> ( 1 ) انظر الرسالة القشيرية ص 247 - 254 ( الجود والسخاء ) . ( 2 ) بلال بن رباح الحبشي ( توفي 20 ه - 641 م ) أبو عبد اللّه مؤذن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وخازنه على بيت ماله . من مولدي السراة ، وأحد السابقين للإسلام . شهد المشاهد كلها مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولما توفي -